مدرسة عثمان بن عفان الابتدائية بامبابة

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

تربوى - تعليميى - تنمية مهنية للمعلمين - قوانين وأخبار التعليم

عزيزي العضو - عزيزي الضيف

شارك معنا على موقع المدرسة الجديد

على الرابط التالي:

http://kenanaonline.com/osmanschool


    طه حسين

    شاطر
    avatar
    أفضل صديق
    المدير العام
    المدير العام

    ذكر
    عدد المساهمات : 554
    نقاط : 1611
    تاريخ التسجيل : 20/11/2009
    30012010

    طه حسين

    مُساهمة من طرف أفضل صديق

    طه حسين
    (1889-1973 )

    ولد طه حسين عام 1889 ، وعاش طفولته الباكرة في احدى قرى الريف المصري . ثم انتقل الى الازهر للدراسة ، ولم يوفق فيه، فتحول الى الجامعة المصرية ، وحصل منها على الشهادة الجامعية ، ثم دفعه طموحه لاتمام دراساته العليا في باريس ، وبالرغم من اعتراضات مجلس البعثات الكثيرة ، الا انه اعاد تقديم طلبه ثلاث مرات ، ونجح في نهاية المطاف في الحصول على شهادة الدكتوره في باريس. بعد عودته لمصر ، انتج اعمالاً كثيرة قيمة منها على هامش السيرة ، والايام ، ومستقبل الثقافة في مصر ، وغيرها. وهو يعتبر بحق "عميد الادب العربي" نظراً لتاثيره الواضح على الثقافة المصرية والعربية.
    وقد نشر الجزء الاول من الايام في مقالات متتالية في اعداد الهلال عام 1926 ، وهو يُعد من نتاج ذات المرحلة التي كتب خلالها : في الشعر الجاهلي. وتميزت هذه الفترة من حياة الاديب الكبير - رحمه الله - بسخطه الواضح على تقاليد مجتمعه وعاداته الشائعة في كتاباته . ومن المؤكد ان لهذه المرارة دوافعها : فطه حسين فقد البصر صغيراً بسبب جهل اسرته باسس الرعاية الصحية. وهي خسارة فاحشة لا يمكن تعويضها . وقد رفض المجتمع المصري المحافظ الكثير من ارائه في موضوعات مختلفة حين رجوعه من فرنسا كذلك.
    لهذه الاسباب وغيرها ، يعتبر الايام سيرة ذاتية تعبر عن سخط كاتبها بواقعه الاجتماعي ، خاصة بعد ان عرف الحياة في مجتمع غربي متطور . الاجزاء التي اخترناها هنا تصف مرحلة مهمة في حياة طه حسين الفكرية : اذ ترسم صورة حزينة لمساعيه للدراسة في الازهر، موضحةً اعتراضاته على نظام التعليم الشائع فيه آنذاك، واسباب عدم نجاحه في الحصول على الشهادة التي نجح من هو اقل منه شأناً وعلماً في امتلاكها.

    من الايام [a]

    واقبل صاحبنا على دروسه في الازهر وغير الازهر من المساجد . فأمعن في الفقه والنحو والمنطق ، واخذ يحسن "الفنقلة" التي كان يتنافس فيها البارعون من طلاب العلم في الأزهر على المنهج القديم ، ويسخر منها المسرفون في التجديد ، ولا يُعرض عنها المجددون العتدلون . واذا هو يدرس شرح الطائي على الكنز مصبحاً ، والازهرية مع الظهر ، وشرح السيد الجرجاني على ايساغوجي ممسياً . وكان يحضر الدرس الاول في الازهر ، والدرس الثاني في مسجد محمد بك ابي الذهب ، والدرس الثالث في مسجد الشيح العدوي على استاذ من سلالة الشيخ العدوي نفسه . وربما الم بدرس من دروس الضحى كان يُقرأ فيه كتاب قطر الندى لابن هشام تعجلاً للتعمق في النحو والفراغ من كتب المبتدئين والوصول الى شرح ابن عقيل على الالفية . ولكنه لم يكن يواظب على هذا الدرس . كان يستجهل الشيخ ، ويرى في "فنقلة" الشيح عبد المجيد الشاذلي حول الازهرية وحاشية العطار ما يكفيه ويرضيه.
    وقد بقيت في نفسه آثار لا تمحى من درس الازهرية هذا ، ففيه تعلم "الفنقلة" حقاً ، وكان اول ذلك هذا الكلام الكثير والجدال العقيم حول قول المؤلف "وعلامة الفعل قد" ، فقد اتقن صاحبنا ما اثير حول هذه الجملة البريئة من الاعتراضات والاجوبة ، واتعب شيخه جدالاً وحواراً حتى سكت الشيخ فجأة اثناء هذا الحوار ، ثم قال في صوت حلو لم ينسه صاحبنا قط ، ولم يذكره قط الا ضحك منه ورق له : "الله حكم بيني وبينك يوم القيامة ". قال ذلك في صوت يملؤه السأم والضجر ، ويملؤه العطف والحنان ايضاً. وآية ذلك انه بعد ان اتم الدرس واقبل الصبي ليلثم يده كما كان الطلاب يفعلون ، وضع يده على كتف الصبي ، وقال له في هدوء وحب: "شد حيلك الله يفتح عليك."
    وعاد الصبي مبتهجاً بهذه الكلمات والدعوات ، فأنبأ بها اخاه وانتظر بها اخوه موعد الشاي . فلما اجتمع القوم الى شايهم قال للصبي مداعباً : قرر لنا "وعلامة الفعل قد". فامتنع الصبي حياء اول الامر ، ولكن الجماعة الحت عليه ، فأقبل يقرر مما سمع وما وعى وما قال ، والجماعة صامتة تسمع له ، حتى اذا فرغ نهض اليه ذلك الكهل الذي كان ينتظر الدرجة فقبل جبهته وهو يقول : "حصنتك بالحي القيوم الذي لا ينام."
    واما الجماعة فاغرقت في الضحك . واما الصبي فاغرق في الرضا عن نفسه ، وبدأ منذ ذلك الوقت يعتقد انه اصبح طالباً بارعاً نجيباً.
    وقوى هذا الرأي في نفسه ان زملاءه في درس النحو التفتوا اليه وجعلوا يستوقفونه بعد الدرس ، او يدنون منه قبل الدرس ، فيسألونه ويتحدثون اليه ، ثم يعرضون عليه ان يعدوا معه الدرس قبل الظهر. وقد اغراه هذا العرض فترك درس القطر ، وجعل يطلع مع زملائه هؤلاء يقرءون له وياخذون في التفسير ، وجعل هو يسبقهم الى هذا التفسير ويستبد به من دونهم ، فلا يقاومونه وانما يسمعون منه ويصغون اليه . وجعل ذلك يزيده غروراً الى غرور ، ويخيل اليه انه قد بدأ يصبح استاذاً.
    واطردت حياته في ذلك العام متشابهة لا جديد فيها الا ما كان يفيده الصبي من العلم كلما امعن في الدرس ، وما كان يشعر به من الغرور اذا كان بين زملائه ، وما كان يُرد اليه من التواضع اذا كان بين اولئك الطلاب الكبار ، والا ما كان يفيده من العلم بشؤون الاساتذة والطلاب في الازهر لما كان يسمع من حديث زملائه واصدقاء اخيه عن اولئك وهؤلاء .
    فلم يكن شيء من هذه الاحاديث ليحسن ظنه باولئك او هؤلاء ، وانما كان ظنه يزداد بهم سوءاً كلما مر عليه الوقت . فقد كان يسمع بين وحين ثناء بالذكاء والبراعة على هذا الشيح او ذاك من صغار العلماء وكبارهم ، ولكنه كان يسمع دائماً عيباً لاولئك وهؤلاء بالوان من النقائص التي تتصل بالخلق او تتصل بالسيرة او تتصل بصناعة العلم نفسها ، والتي كانت تثير في نفسه كثيراً من الغضب والازدراء وخيبة الامل .
    ولم يكن يسلم من هذه العيوب احد . فاما هذا الشيخ فقد كان شديد الحقد على زملائه واقرانه ، شديد المكر بهم والكيد لهم ، يلقاهم مبتسماً فلا يكاد يفارقهم حتى يقول فيهم اشنع القول ويسعى بهم اقبح السعي. واما هذا الشيخ الاخر فقد كان رقيق الدين ، يظهر التقوى اذا كان في الازهر او بين اقرانه ، فاذا خلا الى نفسه والى شياطينه اغرق في اثم عظيم .
    وكانت الغيبة والنميمة اشيع واشنع ما كان يُذكر من عيب الشيوخ. فكان الطلاب يذكرون سعي ذلك الشيخ بصديقه الحميم عند شيخ الازهر او عند الشيخ المفتي ، وكانوا يذكرون ان شيخ الازهر كان اذناً للنمامين ، وان الشيخ المفتي كان يترفع عن الاستماع لهم ويلقاهم بالزج القاسي العنيف.
    وقد تحدث الطلاب الكبار ذات يوم بقصة عن جماعة من كبار الشيوخ سموهم يومئذ ، فزعموا ان هؤلاء الشيوخ لاحظوا انهم قد اسرفوا على انفسهم في الغيبة ، فأستعظموا ذلك وذكروا قول الله عز وجل : "ولا يغتب بعضكم بعضاً ليحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتاً فكرهتموه"، فتناهوا عن هذه الخطيئة الكبيرة ، وتعاهدوا على ان من اخذ منهم في الغيبة فعليه ان يؤدي الى اصحابه عشرين قرشاً .
    وقد كفوا عن الغيبة يوماً او بعض يوم ضناً بهذا المبلغ من النقد . وانهم لفي بعض حديثهم ، واذا شيخ يمر بهم فيلقي عليهم تحية ، ويمضي في طريقه. ولكنه لا يكاد يمضي حتى يخرج احدهم قطعة من الفضة فيدفعها الى اصحابه وياخذ في اغتياب هذا الشيخ.
    فاما تحدث الطلاب كباراً وصغاراً بجهل شيوخهم وتورطهم في الوان الخطأ المضحك الذي كان بعضه يتصل بالفهم وبعضه يتصل بالقراءة ، فقد كان اكثر من ان يحصى واعظم من ان يقدر . ومن اجل هذا كان صاحبنا سيء الرأي في العلماء والطلاب جميعاً . وكان يرى ان الخير كل الخير في ان يجد ويجتهد ويحصل ما استطاع من العلم معرضاً عن مصادره التي كان يستقيه منها .
    وازداد رايه سوءاً حين استقبل السنة الثالثة من حياته في الازهر ، فالتمس لنفسه استاذاً يقرأ في الفقه شرح مُلا مسكين على الكنز ، فُدل على استاذ معروف بعيد الذكر ظاهر المكانة في القضاء ، فذهب اليه وجلس في حلقته ، ولكنه لم يكد ينفق دقائق حتى احس حرجاً عظيماً وراي نفسه مضطراً الى ان يبذل جهداً شديداً لمقاومة الضحك . وذلك ان الشيخ رحمه الله قد كانت له لازمة غريبة ، كما كان يقول الازهريون . فلم يكن يقرأ جملة في الكتاب او يفسرها من عند نفسه الا قال هذه الجملة مرتين : "قال ايه ثم قال ايه"
    يعيد ذلك مرات في الدقائق القليلة ، وصاحبنا يسمع له ويعنف على نفسه حتى لا يضحك فياتي منكراً من الامر.
    وقد استطاع صاحبنا ان يضبط نفسه ، ولكنه لم يستطع ان يختلف الى درس الاستاذ اكثر من ثلاثة ايام ، لانه لم يجد عنده غناء ، وانما وجد عنده عناء ، لم يفد منه شيئاً ، وانما كان يكظم ضحكه كظماً عنيفاً ، ويكلف نفسه من ذلك ما لم تكن تطيق . والتمس غيره من الاساتذة الذين كانوا يقرءون هذا الكتاب ، فلم يجد عندهم الا هذه اللوازم التي كانت تختلف باختلافهم ، ولكنها كانت تدفع الغلام الى الضحك وتضطره الى ان يبذل في ضبط نفسه من الجهد ما كان يشغله احياناً عن الاستماع ، وقيل له في اثناء ذلك ان هذا الكتاب من كتب الفقه ليس بذي خطر ، وان استاذاً ممتازاً سموه له يقرأ كتاب الدرر ، والخير في ان تحضر درسه ، فهو من اذكى العلماء وابرع القضاة .
    واستشار صاحبنا اخاه واصحاب اخيه فلم يردوه عن ذلك ، بل شجعوه عليه واوصوا به الشيخ . وقد رضى الغلام عن استاذه الجديد في دروسه الاولى ، فلم يكن يلتزم جملة بعينها او لفظاً بعينه او صوتاً بعينه ، ولم يكن يتردد في القراءة ولا في التفسير، وكان ذكاؤه واضحاً ، واتقانه للفقه متقناً ، وحسن تصرفه فيه لا يتعرض للشك .
    وكان الاستاذ رشيقاً انيقاً حلو الصوت ممتازاً في حركته وفي لقائه للطلاب وحديثه اليهم . وكان معروفاً بالتجديد ، لا في العلم ولا في الرأي ، ولكن في السيرة. وكان كبار الطلاب يتحدثون بانه يلقي درسه اذا صبح ثم يمضي الى محكمته فيقضي فيها ، ثم يروح الى بيته فيطعم وينام . فاذا كان الليل خرج مع لذاته فذهب الى حيث لا ينبغي ان يذهب العلماء ، وسمع من الغناء ما لا ينبغي ان يسمع العلماء ، واقبل من اللذات على ما لا ينبغي ان يقبل عليه رجال الدين ، وكانوا يذكرون "الف ليلة وليلة". فيعجب الغلام لانه كان يعرف ان "الف ليلة وليلة" اسم كتاب طالما قرأ فيه ووجد في قراءته لذة ومتاعاً . ولكنهم كانوا يذكرون هذا الاسم على انه مكان يسمع فيه الغناء ، ويكون فيه اللهو ، وتطلب فيه بعض اللذات .
    وكان الغلام يسمع عن شيخه هذه الاحاديث فلا يصدقها ولا يطمئن اليها ، ولكنه لم ينفق مع الشيخ اسابيع حتى احس منه تقصيراً في اعداد الدرس ، وقصوراً في تفسير النص ، وضيقاً باسئلة الطلاب ، بل احس منه اكثر من ذلك ، فقد ساله ذات يوم عن تفسير بعض ما كان يقول فلم يجبه الا بالشتم . وكان الشيخ ابعد الناس عن الشتم واشدهم عنه ترفعاً .
    فلما قص الغلام على اخيه واصحابه من امر الشيخ ما راى ، انكروا ذلك واسفوا له ، وهمس بعضهم لبعض بان العلم والسهر في "الف ليلة وليلة" لا يجتمعان.
    وكان حظ الغلام في النحو خيراً من حظه في الفقه ، فقد سمع القطر والشذور على الشيخ عبد الله دراز رحمه الله ، فوجد من ظرف الاستاذ وصوته العذب وبراعته في النحو ومهارته في رياضة الطلاب على مشكلاته ما زاده في النحو حباً.
    لكن حظه في النحو لم يلبث ان ساء حين استؤنفت الدراسة في العام الجديد . فقد اخذ الغلام يسمع على الشيخ عبد الله دراز شرح ابن عقيل ,. وبينما الاستاذ وطلابه ماضون في درسهم ، راضون عن عملهم ، صدر الامر الى الاستاذ بالانتقال الى معهد الاسكندرية . فمانع في ذلك ما استطاع ، ومانع طلابه ما استطاعوا ، ولكن المشيخة لم تسمع له ولا لهم . فلم يجد بداً من انفاذ الامر . ولم ينس الغلام ذلك اليوم الذي ودع الاستاذ فيه طلاببه ، وانه ليبكي مخلصاً ، وانهم ليبكون مخلصين ويشيعونه باكين الى باب المسجد.
    ثم اقيم مقام الشيخ، شيخ آخر ضرير ، وكان مشهوراُ بالذكاء الحاد والتفوق الظاهر والنبوغ الممتاز ، وكان لا يذكر الا اثنى عليه ذاكروه والسامعون لذكره بهذه الخصال . اقبل هذا الشيخ ، فاخذ الدرس من حيث تركه الشيخ عبد الله دراز . وكانت حلقة الشيخ عند الله دراز عظيمة تملا رقعتها القبة من مسجد محمد بك ابي الذهب. فلما خلفه هذا الشيخ ازدادت هذه الحلقة ضخامة واتساعاً حتى اكتظ بها المكان . القي الشيخ درسه الاول فرضي عنه الطلاب ، ولكنهم لم يجدوا عنده وداعة استاذهم القديم ولا عذوبة صوته . ثم القى درسه الثاني والثالث ، واذا الطلاب ينكرون منه رضاه عن نفسه واعجابه بها ، وثقته بما كان يقول ، وغضبه الحاد على مقاطعيه .
    ولم يكد يتقدم في درسه الرابع حتى كانت بينه وبين صاحبنا قصة صرفت الغلام عن النحو صرفاً . كان الشيخ يفسر قول تأبط شراً:
    فابتُ الى فهم وما كدت آثبا وكم مثلها فارقته وهي تصفر
    فلما وصل الى قرله "تصفر" اقل : ان العرب كانت اذا اشتدت على احدهم ازمة او محنة وضعوا اصابعهم في افواههم ونفخوا فيها ، فكان لها صفير يسمع .
    قال الغلام للشيخ : واذن فما مرجع الضمير في قوله "وهي تصفر" وفي قوله"وكم مثلها فارقتها؟" قال الشيخ مرجعه "فهم" ايها الغبي. قال الغلام: فانه قد عاد الى فهم والبيت لا يستقيم على هذا التفسير. قال الشيخ : فانك وقح وقد كان يكفي ان تكون غبياً . قال الغلام : ولكن هذا لا يدل على مرجع الضمير. فسكت الشيخ لحظة ثم قال: "انصرفوا ، فلن استطيع ان اقرأ وفيكم هذا الوقح."
    ونهض الشيخ ، وقام الغلام ، وقد كاد الطلاب يبطشون به لولا ان حماه زملاؤه.
    ولم يعد الغلام الى درس النحو ، بل لم يحضر الغلام بعد ذلك درساً في النحو ، بل ذهب من غده الى درس كان يلقيه استاذ معروف من اهل الشرقية . وكان يقرأ شرح الاشموني ، ولكنه لم يتم الاستماع للدرس. مضى الشيخ يقرأ ويفسر ، وسأله الغلام في بعض الشيئ ، فرد عليه الشيخ بما لم يقنعه . فاعاد السؤال ، فغضب الشيخ وامره بالانصراف. فتوسط بعض اصدقائه عند الشيخ يستعطفونه ، فازداد غضب الشيخ وابى ان يمضي في الدرس ختى يقوم هذا الغلام ومعه اصدقائه ,. ولم يكن لهم بد من ان ينصرفوا.
    وذهب الغلام من غده مع اصحابه الى حلقة اخرى كان يُقرا فيها شرح الاشموني ، يقرؤه استاذ مشهور من اساتذة الشرقية ايضاً . فوقف الغلام على الحلقة لحظة لا تتجاوز الدقائق الخمس ، ولكنه سمع فيها هذه اللزمة يعيدها الشيخ كلما انتقل من جملة الى جملة "اخص على بلدي". فضحك الغلام وضحك اصدقاؤه وانصرفوا . وازمع الغلام وصديق له ان يدرسا النحو مستقلين ، وان يدرساه في مصادره الاولى ، فقرآ كتاب المفصل للزمخشري ، ثم كتاب سيبويه ، ولكن هذه قصة اخرى.


    ولم يكن حظه في المنطق خيراً من حظه في الفقه والنحو . لقد احب المنطق حباً شديداً حين كان يسمع شرح السيد على ايساغوجي من استاذه ذلك الشاب في العام الماضي. فاما في هذا العام فقد جلس لامثاله من اوساط الطلاب علم من اعلام الازهر الشريف ، وامام من ائمة المنطق والفلسفة فيه ، وكان معروفاً بين كبار الطلاب بهذا الذكاء الظاهر الذي يخدع ولا يغني شيئاً ، وكان معروفاً بهذه الفصاحة التي تبهر الاذن ولا تبلغ العقل . وكان يؤثر عنه انه كان يقول "مما من الله علي به اني استطيع ان اتكلم ساعتين فلا يفهم احد عني شيئاً ولا افهم انا عن نفسي شيئاً . " كان يرى ذلك مزية وفخراً . ولكن لم يكن بد للطالب الذي يقدر نفسه من ان يجلس اليه ويسمع منه . وقد جلس للطلاب بعد صلاة المغرب يقرأ لهم شرح الخبيصي على تهذيب المنطق . وذهب اليه صاحبنا وسمع منه درساً ودرساً ، وكانت حلقته عظيمة حقاً تكتظ بها القبة في جامع محمد بك . وكان الغلام يسبق صلاة المغرب فيجلس في اقرب مكان من كرسي الاستاذ . وكان الاستاذ جهوري الصوت قد احتفظ بلهجة الصعيد كاملة . وكان شديد النشاط كثير الحركة . وكان اذا ساله طالب رد عليه ساخراً منه ، فان الح الطالب في السؤال ثار هو به وجعل يقول له في حدة : "اسكت ياخاسر ، اسكت ياخنزير!" وكان يفخم الخاء في الكلمتين الى اقصى ما يستطيع فيه ان يبلغ من التفخيم .
    وقد استقام للشيخ وللطلاب امرهم حتى اتمموا قسم التصورات . فلما بلغوا في كتابهم المقصد الثاني في التقصديقات لقى الغلام من نفسه ومن شيخه بلاء عظيماً ، فاضطر الى ان يختار له من الغد مكاناً بعيداً عن الشيخ ، وما زال يتاخر يوماً بعد يوم في مجلسه حتى بلغ باب القبة ، فحرج منه ذات ليلو ، ولم يدخله بعد ذلك.
    لقى الغلام بلاء من نفسه لم يذكره قط الا ضحك منه ضحكاً شديداً ، واضحك منه اخاه واصدقائه جميعاً . فقد جلس الشيخ على كرسيه واخذ في القراءة ، فقال : "المقصد الثاني في التصديقات" يقلقل القاف ويفخم الصاد ، ويمد الالفات والياءات مداً متوسطاً ، ثم يعيد هذه الكلمات نفسها فيقلقل القاف ويفخم الصاد ويطيل مد الالف والياء في الثاني ، ولكنه لا يقول " في التصديقات" وانما يقول "في مين؟" فلا يرد عليه احد . فيرد على نفسه ويقول "في التصديقات" ثم يعيد الكلمة نفسها على هذا النحو نفسه ، فاذا انتهى الى قوله "في مين" ولم يرد عليه احد ، ضرب بظهر يده في جبهة الغلام وهو يقول : "ردوا ياغنم ، ردوا يابهائم ، ردوا ياخنازير!". يفخم الغين والخاء الى اقصى ما يستطيع فمه ان يبلغ من التفخيم ، فيقول الطلاب جميعاً : "في التصديقات."
    لقى الغلام من نفسه عناء شديداً ، فقد كان هذا كله خليقاً ان يضحكه ، وكان يخاف ان يضحك بين يدي الاستاذ . ولقى من شيخه بلاءاً عظيماً بهذه الضربات التي كانت تتوالى على جبهته بين حين وحين. ومهما يكن من شيء فقد تحول الغلام عن هذا الدرس ولم يتجاوز بالمنظق عند هذا الشيخ باب القضايا .
    تحول عن هذا الدرس في اثناء العام ، وقرر ان يحضر مكانه درساً في التوحيد كان يلقيه شيخ جديد حديث الظفر بدرجة العالمية . وكان اصدقاؤه من كبار الطلاب يذكرونه بالظرف الشديد والذكاء المتوسط وحلاوة الصوت وحسن الالقاء ، ويقولون: ان علمه يخدع من حدثه او سمع عنه ، فاذا تعمقه لم يجد عنده شيئاً . وكان يقرأ شرح الخريدة ومتنها للدردير. فسمع الغلام منه درساً واعجب بصوته والقائه وظرفه ، وجعل ينتظر ان يعجب بعلمه وفنقلته . ولكن الشيخ صُرف عن الدرس لانه نقل من القاهرة وارسل الى مكان بعيد تولى فيه منصب القضاء ، فلم يتح للغلام ان يعلم علمه ، ولا ان يقضي في امره بشيء الا انه كان لبقاً ظريفاً حلو الصوت عذب الحديث .
    واذاً فقد ضاعت السنة في حقيقة الامر على الغلام ، ولم يحصل فيها من العلم شيئاً جديداً ، الا ما كان يقرؤه في الكتب ويسمعه من اولئك الطلاب الكبار وهم يطالعون او يتناظرون .
    فلما عاد الى الازهر عاد اليه ضيق النفس به ، شديد الزهد فيه ، حائراً في امره لا يدري ماذا يصنع : لا يستطيع ان يقيم في الريف ، وماذا يفعل في الريف ! ولا يجد نفعاً من اقامته في القاهرة واختلافه الى الشيوخ .

    [18]
    وفي الحق ان اقبال الفتى على درس الادب لم يصرفه عن علومه الازهرية اول الامر، فقد كان يظن انه يستطيع الملاءمة في نفسه بين هذين اللونين من الوان المعرفة . وهو لم يرسل الى القاهرة ولم ينسب الى الازهر ليكون اديباً ينظم الشعر او ينشيء النثر . وانما ارسل الى القاهرة وانتسب الى الازهر ليسلك طريقه الازهرية الخالصة ، حتى يبلغ الامتحان ويظفر بالدرجة ، ويسند ظهره الى عمود من الاعمدة القائمة في ذلك المسجد العتيق ، ويتحلق الطلاب من حوله فيسمعوا منه درساً في الفقه او في النحو او فيهما جميعاً .
    كذلك كان يتمنى ابوه ،وبذلك كان يتحدث الى الاسرة في شيء من الامل والاعجاب بابنه هذا الشاذ الغريب. وكذلك كان يريد اخوه ، وكذلك كان يريد هو . وماذا كان يمكن ان يريد غير ذلك وقد فرضت الحياة على امثاله من المكفوفين الذين يريدون ان يحيوا حياة محتملة احدى اثنتين : فاما الدرس في الازهر حتى تنال الدرجة وتضمن الحياة بهذه الارغفة التي تؤخذ في كل يوم ، وبهذه القروش التي تؤخذ آخر الشهر لا تزيد عن خمسة وسبعين قرشاً ان كانت الدرجة الثالثة ، ولا عن مائة قرش ان كانت الدرجة الثانية ، ولا عن خمسين ومائة قرش ان كانت الدرجة الاولى . واما ان يتجر بالقرآن فيقراه في المآتم والبيوت كما انذره بذلك ابوه في وقت من الاوقات.
    فلم يكن للفتى بد اذن من ان يمضي في طريقه الازهرية حتى يبلغ غايتها . وكانت هذه الطريق تتشعب الى شعبتين اذا قضى الطالب ثلاثة اعوام او اربعة في الازهر : احدهما علمية وهي الاختلاف الى الدروس والتنقل في مراحل العلم . وكان الفتى ماضياً فيها ، اقبل عليها مشغوفاً بها ، ثم فترت همته . ثم ازدراها وانصرفت عنها نفسه حين استياس من الاساتذة وساء ظنه بالشيوخ.
    والثانية مادية وكانت تتالف من مراحل ثلاث: مرحلة المنتسب ، ومرحلة المنتظر ، ومرحلة المستحق ، اما مرحلة المنتسب فهي المرحلة التي يبدا الطالب بها حياته الازهرية بعد ان يتم تقييده في سجلات الازهر. ولم يكن له بد من ان ينتسب الى احد الاروقة . وقد انتسب صاحبنا كما انتسب اخوه الى رواق الفشنية . واما مرحلة المنتظر فقد كانت المرحلة الثانية ، ينتقل اليها الطالب بعد ان يقيم اعواماً في الازهر ، وسبيله الى ذلك ورقة يكتبها ويرفعها الى شيخ الرواق يعين فيها ما انفق في الازهر من عام وما حضر فيه من درس ، ويشهد على صدقه فيما سجل فيها شيخان من شيوخه ، ويطلب الى شيخ الرواق ان يقيد اسمه بين اسماء المنتظرين ، حتى اذا خلا مكان بين المستحقين للجراية ارتقى اليه فبلغ المرحلة الثالثة ونال جرايته رغيفين او ثلاثة او اربعة ، على اختلاف بين الاروقة في ذلك .
    فلم يكن بد لصاحبنا من ان يرقى الى مرحلة المنتظرين ، وقد كتب الورقة وختمها بالجملة التي كانت شائعة اذ ذاك "جعلكم الله ملجأ للقاصدين."
    وشهد شيخان انه لم يقل في هذه الورقة الا حقاً . وذهب الى الشيخ في داره فرفع اليه الورقة بعد ان قبل يده وانصرف. فانتظر وطال الانتظار ، ولم يظفر بالجراية قط في هذا الرواق . ولكن ارتقاءه الى مرحلة المنتظرين ارضى اباه وملأ فمه فخراً على كل حال .
    وبينما كان ينتظر في طائل او في غير طائل خرج الاستاذ الامام من الازهر في تلك القصة المعروفة ، وبعد تلك الخطبة المشهورة التي القاها الخديوي على بعض العلماء .
    وكان الفتى يظن ان تلاميذ الشيخ ، وكانوا كثيرين يكتظ بهم الرواق العباسي في كل مساء ، سيحدثون حدثاً ، وسينبئون الخديوي بان شباب الازهر قد تغيروا ، وبانهم سيذوذون عن شيخهم ، وسيبذلون في سبيل ذلك لا اوقاتهم وحدهم بل ارواحهم .
    ولكن الشيخ ترك الازهر واتخذ داراً للافتاء ، فلم يزد تلاميذه على ان حزنوا وتحدثوا بالاسف فيما بينهم وبين انفسهم ، وزار قليل منهم الشيخ في داره بعين شمس ، وانصرف عنه اكثرهم ، وانتهى الامر عند هذا الحد . فامتلات نفس الفتى حزناً وغيظاً ، وساء ظنه بالطلاب كما ساء ظنه بالشيوخ ، ولم يكن مع ذلك قد عرف الاستاذ الامام او قدم اليه .
    وبعد ذلك بقليل توفى الاستاذ الامام ، فاضطربت مصر لوفاته ، وكانت البيئة الازهرية اقل البيئات المصرية اضطراباً لهذا الحادث الجلل. واسف تلاميذ الشيخ ، ولعل قليلاً منهم سفحوا بعض الدموع ، ولكنهم اقبلوا بعد الصيف على دروسهم ، وكأن الشيخ لم يمت ،او كأن الشيخ لم يكن ، لولا ان الخاصة من تلاميذه كانوا يذكرونه بالخير بين حين وحين .
    وكذلك عرف الفتى في الم لاذع ولاول مرة في حياته الناشئة ان ما يقدم الى عظماء الرجال من الوان الاكبار والاجلال وضروب التملق والزلفى لغو لا طائل تحته ولا غناء فيه ، وان وفاء الناس ينحل في اكثر الاحيان الى كلام لا يفيد .
    وزاد سوء الظن بالناس في نفس الفتى قوة ما لاحظه في بعض البيئات من انتهاز وفاة الشيخ فرصة للتجار باسمه ، واستغلال الصلة به ، يتوسلون الى ذلك بالشعر حيناً وبالنثر حيناً آخر، وبالاعلان في الصحف والمجلات دائماً .
    ولكن الفتى احس شيئاً آخر زاد به انحرافاً عن الازهر وانصرافاً عن شيوخه وطلابه . احس ان الذين بكوا الشيخ صادقين وحزنوا عليه مخلصين لم يكونوا من اصحاب العمائم ، وانما كانوا من اصحاب الطرابيش ، فوجد في نفسه ميلاً خفياً الى ان يقرب من اصحاب الطرابيش هؤلاء ، والى ان يتصل ببيئاتهم بعض الاتصال . ومن له بذلك وهو فتى ضرير قد فُرضت عليه الحياة الازهرية فرضاً فلم يجد عنها منصرفاً .
    وكان الاستاذ الامام شيخاً لرواق الحنفية ، فلما خرج من الازهر او لما خرج من الحياة اصبح خلفه على الافتاء خلفاً له على الرواق ايضاً.
    كان ابن المفتي الجديد استاذاً لصاحبنا الفتى ، سمع عليه في صباه شرح السيد الجرجاني على ايساغوجي في المنطق ، وكان يقوم عن ابيه بامر الرواق . فاغرى الفتى بالانتساب الى رواق الحنفية والانتظار فيه . وكانت الجراية في رواق الحنفية ايسر منالاً واكثر عدد ارغفة منها في غيره من الاروقة ، ولم يكن الانتساب الى رواق الحنفية ايام الاستاذ الامام سهلاً ولا يسيراً وانما كان الامتحان سبيلاً اليه . وقد احتفظ الفتي الجديد بهذه السنة ، وكان ابنه هو الذي يمتحن المتقدمين للانتساب في موعد بعينه في العام . فقيل لصاحبنا الفتى مالك لا تنتسب الى هذا الرواق وقد انتسب اليه اخوك من قبل واصحابه النجباء ايام الاستاذ الامام ، وهم ياخذون منه جراياتهم اربعة ارغفة لكل واحد منهم في كل يوم. وزين ذلك له وحثه عليه اخوه واصحابه . وارسل الى الامتحان ذات مساء ومعه كتاب الى الممتحن. فلما ادخل الفتى على الممتحن حياه واخذ منه الكتاب فنظر فيه ثم القى عليه سؤالاً ورد الفتى جواب السؤال حطأ او صواباً لم يدر ، ولكن الممتحن قال له : "انصرف ياعلامة" فانصرف راضياً ، ولم يمض الا وقت طويل حتى اصبح الفتى مستحقاً ونال رغيفين في كل يوم ، فكثر الخير في الغرفة ، وفرحت الاسرة في الريف.
    على ان الفتى لم ينل رغيفين فحسب ، وانما نال معهما خزانة في الرواق كانت آثر عنده من الرغيفين . فقد كان يستطيع اذا دخل الازهر في الصبح ان يذهب الى خزانته فيضع فيها نعليه ورغيفيه او احدهما ، ويقضي نهاره حراً لا يعني بهاتين اللتين كان او احدهما ، ويقضي نهاره حراً لا يعني بهاتين النعلين اللتين كان يبذل جهداً غير قليل لحمايتهما من عدوان الخاطفين والسارقين . وما اكثر ما كانت تسرق النعال في الازهر! وما اكثر ما كانت تلصق على جدران الازهر من حول الصحن اوراق يعلن فيها اصحابها ان نعلانهم قد ضاعت ، وان من ظفر بها فردها الى صاحبها في مكان كذا او رواق كذا ، فله الاجر والثواب ، ومن احتفظ بها متعدياً قطعه الله من هذا المكان. كان الفتى اذاً سعيدا بخزانته ورغيفيه ، ولكنه لم يكن سعيداً بما كان يحصل من العلم او يسمع من الدرس . وقد كان يكره نفسه اكراهاً على ان يسمع بعد الفجر درساً في التوحيد كان يلقيه الشيخ راضي رحمه الله ، وكان يقرأ كتاب المقاصد ، ويسمع في الصبح درس البلاغة على الشيخ عبد الحكيم عطا وكان يقرأ شرح السعد .
    وكان درس الفقه يسلي الفتى ويلهيه بما كان يسمع من غناء الشيخ اذا خلى الطلاب بينه وبين الغناء ، وحدة الشيخ ونكته الازهرية اذا قطع الطلاب عليه غناءه فجادلوه في بعض ما كان يقرأ او كان يقول وربما كان الشيخ ينشد طلابه احياناً من شعره اذا صفا وطابت نفسه للانشاد . وقد حفظ عنه الفتى بيتاً من الشعر لم ينس قط صوت الشيخ وهو يتغنى به مترنحاً :
    كأن عمته من فوق هامته شنف من التبن محمول على جمل
    وقد روى الفتى هذا البيت لاخيه واصحابه فتضاحكوا وتذاكروا وتناشدوا بعضه. وروى الفتى الى البيت السابق بيتاً آخر ليس اقل منه طرافة وظرفاً ، وهو مطلع قصيدة قالها الشيخ رحمه الله في رثاء بعض العلماء ، وهو :
    خطب جليل بعد موتك يانبي فقد الائمة كالامام المغربي
    وقد روى المصريون جميعاً عن الشيخ بعد ذلك العهد باعوام طوال بيتاً آخر لم ينسه ظرفائهم بعد ، وقد سار فيهم كما تسير الامثال ، وهو:
    انا مع الامرا والوفد والوزرا على وفاق له في القلب تاييد
    وكان الفتى ربما جادل الشيخ فاطال الجدال ،وقد اسرف الجدال مرة في الطول حتى تاخر الدرس عن ابانه ، وتصايح الطلاب من جوانب المسجد الحسيني بالشيخ ان حسبك فقد نفذ الفول ، فاجابهم الشيخ في غنائه الظريف : لا والله لا نقوم حتى يقتنع هذا المجنون، ولم يكن بد للمجنون من ان يقتنع ، فقد كان هو ايضاً حريصاً على ان يدرك الفول قبل ان ينفذ .
    وكان درس البلاغة اثيراً عند الفتى ، لا لما كان يحصل فيه من علم ، فقد مضى منذ وقت طويل اقبال الفتى على الدروس في الازهر لتحصيل العلم ، وانما كان يقبل عليه اداء للواجب وقطعاً للوقت والتماساً للفكاهة . وكان درس البلاغة اثيراً عنده لانه كان يجد فيه هذه الفكاهة ، ولان الشيخ ، نضر الله وجهه ، كان سمح النفس رضي الخلق مخلصاً في درسه للعلم وللطلاب . ولانه بعد ذلك كان يكلف نفسه في الفهم والافهام جهداً عظيماً وعناء ثقيلاً . وكان اذا بلغ منه الجهد رفه على نفسه بهذه الجملة يوجهها الى طلابه بين حين وحين ، في لهجة منياوية عذبة مضحكة : "فاهمين ياسيادي؟"
    وكان اذا انتصف الدرس اشفق على نفسه وعلى الطلاب فقطع القراءة والتفسير واقام دقائق صامتاً لا ينطق ، واقبل على نشوقه فالتهم منه بانفه ما استطاع في تؤدة وروية واناة. وكان الطلاب ينتهزون هذه الفرصة ليطفئوا ما كان يتاجج في بطونهم من نار الفول والطعمية والكراث يقدح من اقداح الشراب الذي كان يطوف به الباعة عليهم في اثناء الدروس ، ويدعونهم دعاء لطيفاً بهذا النقر الحفيف الذي كان يمس به الزجاج فيبعث الى الاذات صوتاً خفيفاً ظريفاً .
    غضب القصر على شيخ كبير من شيوخ الازهر ، فمنع الشيخ من القاء دروسه ، ورأى الناس ان في هذا المنع ظلماً للشيخ وعدواناً على حقوق الازهر ، ولكنهم لم يصنعوا شيئاً ، وكان الازهريون اشدهم فتوراً وخنوعاً ، واكن صديقاً من اصدقاء الفتى اقبل عليه ذات يوم فقال له : الست ترى فيما حل بشيخنا ظلماً وعدواناً؟ قال الفتى: بل واي ظلم واي عدوان؟ قال له الصديق : الا تشارك في الاحتجاج على هذا الظلم؟ قال الفتى: وكيف السبيل الى ذلك؟ قال الصديق: نجمع نفراً من اصدقائنا الذيم كانوا يسمعون دروس الشيخ ونسعى اليه نتمنى عليه ان يمضي في القاء دروسه علينا في بيته ، فاذا قبل انتفعنا بالدرس واعلنا ذلك في الصحف فعرف الظالمون للازهر ان بين الازهريين من لا يقرون الظلم ولا يذعنون له . فقال الفتى : هذا حسن.


    _________________
    أفضل صديق
    مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

    لا يوجد حالياً أي تعليق


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت 17 نوفمبر 2018, 5:29 pm